داود القيصري
129
شرح تائية ابن الفارض الكبرى
يعذب بها ، والحال أن نعمة الإيمان الحقيقي والعلم اليقيني والمعرفة التامة ، أطفأت نيران نقمتي ، كما قال تعالى : « رحمتي سبقت غضبي » ، وفي الحديث : « إن المؤمن إذا مرّ على صراط جهنم ، تقول له جهنم : جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ ناري » « 1 » . وإضافة النقمة إلى نفسه إيماء لمقام اتحاده ، وبأن نيران كل أحد إنما هي من نفسه لا من خارج عنه ، فهو المعذب لنفسه لا غيره . 497 - ولا وقت ، إلّا حيث لا وقت حاسب وجود وجودي ، من حساب الأهلّة 497 - أي : ولا وقت ولا زمان يحصر ظهور وجودي الروحاني الأزلي لحاسب من حساب الشهور والأهلة إلا الوقت السرمدي والدهر الدائم الأبدي اللازم الوجودي أبدا سرمدا وهو المراد بقوله : « حيث لا وقت » . وتحقيقه : لا بد أن تعلم أن النفس الناطقة الإنسانية عند جميع الأولياء والحكماء الإلهيين ، أزلية وأبدية ، لا بداية لوجودها وتحققها في نفسها ولا نهاية مع كونها صادرة من المبدأ الأول ، ومعلولة بعلة العلل ، وظهوراتها في مظاهرها أيضا غير متناهية ، وبعض مظاهرها الصور الفلكية والعنصرية البسيطة التي لا زمان يجاريها ولا وقت يحيط بها . 498 - ومسجون حصر العصر لم ير ما ورا ء سجّينه ، في الجنّة الأبديّة « 2 » 498 - أي : الكاملون لا ظلمات تغشى وجوههم ، ولا أحد يقدر أن يظلم عليهم ، ولا الوقت يحكم ويحاسب مدة بقائهم ، والحال أن المسجون في سجن الدنيا ، المقيد بقيد الطبيعة ، المعذب بنيران هواه ، لكون ظلمات الطبائع غشيت وجه قلبه وأعمت بصيرته ، فتعلقت عليه نيران الهوية ، بقي معذبا في جهنم الطبيعة ، محجوبا عن الذات الروحانية والجهات الأبدية ، ولم ير ما وراء سجّينه من المراتب والمقامات العالية الحاصلة في الجهة الأبدية ، ولم يشاهد أن أهلها فيها يتنعمون وهو فيها خالدون . ( ولما ذكر في الأبيات الماضية كمال نفسه ، وأنه خارج عن حكم الوقت ، ولا يحكم ملكه عليه ، بل هو الحاكم على ملكه ، لأنه هو الخليفة والقطب ، ومن لم يرث عنه الكمال فهو ناقص ، أنتج بقوله : ) .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 22 / 258 ) ، والديلمي في الفردوس ( 2 / 65 ) ، وابن الجوزي في العلل ( 2 / 917 ) ، والحكيم في النوادر ( 1 / 128 ، 306 ) . ( 2 ) السّجين : سجل أفعال الكفرة والفاسقين ، وهو موطن إبليس وأعوانه ، ويقال : واد في جهنم .